لم تكن مجرد جمعة غضب ولا صيحات عشوائية خرجت بلا روح أو هدف , بل كانت معجزة بكل المقاييس, بدءا من كسر حاجز الصمت العتيق نهاية بإيماننا بأننا نستطيع أن نصلح ما أفسده آباءنا وأجدادنا, ,إعلانا منا أننا لن نرضى مثلهم بالذل والهوان, ولن نسمح لأحد أن يتلاعب بمصير أبناءنا كما سمحوا هم , سوف نحدد مصيرنا بأيدينا و سنحيا أو نموت بشرف, ولن نحيا بعد اليوم أذلاء أبدا,وسط الجموع الحاشدة من شباب مصر الواعد عرفت لما نعتنا رسول الله بخير أجناد الأرض , بينهم شعرت حقا بالأمان ,وقد جالت بذهني فكرة , ماذا لو اجتمعت هذه الحشود لتفتك بعدونا , والله ما يبقى منه شيئا.
جمعة الغضب علامة فاصله في تاريخ كل من شارك فيها , ووصمه عار على جبين كل من ارتضى المكوث فى بيته يأمن روع ليس بيده تأمينه .
فتيه وفتيات, رجال ونساء, أطفالا وشيوخ, ,كل الفئات الغنى والفقير ,القوى والضعيف,والله حتى العاجزون قد نزلوا إلى الشارع ليعبروا , وقد رأيت بأم عيني اثنين من المتظاهرين على مقعد متحرك هذا ما يؤكد أسطورة ما فعله شباب مصر ,
عزمت النية يوم الخميس على الذهاب , ولم يكن في حسباني أبدا أن ينزل الملاين من أبناء الشعب المصري إلى الشارع , اتفقت مع صديقي على أداء صلاه الجمعة في مسجد مصطفى محمود ومن ثم التوجه مع المتظاهرين إلى ميدان التحرير,استقلينا سيارة أوصلتنا إلى هناك سريعا, وفور وصولنا وجدنا المسجد قد امتلئ من الداخل وملئت ساحاته عن آخرها , على الرصيف المقابل بعض الفتيات غير المحجبات ومجموعة كبيرة من الفتيه يقفون خلف المصلين , يبدو أنهم من النصارى قد جاءوا ليتحدوا مع المسلمين ليقولوا كلمة واحدة تعبر عن رغبه موحدة نحو العدل والديمقراطية,بحثت وصديقي عن مكان بساحة المسجد وجلسنا,على الفور بدأ الخطيب خطبته, الخطبة الأولى عن الدنيا والآخرة ونظرة الإنسان لهما والجزء الثاني عن الأحداث الجارية .
بدأ متحدثا عن الديموقراطية التي سمحت للشباب أن يتظاهر بسلام يوم الخامس والعشرين من يناير, قوبلت كلمته بابتسامه تعجب وسخرية ,واظنه رآها في أعين المصلين داخل المسجد وعلى انطباعات وجوههم , ثم تغير اتجاه حديثة بعدها مباشرة, وللحق لم يكن منافقا أبدا بل عبر عن فخره بنا لأننا أثبتنا وعينا وحبنا للوطن وخوفنا على مصلحته, حثنا على البحث عن حقوقنا ولكن في إطار سلمى وألا ننجرف وراء العنف, وطالب النظام بتلبية مطالبنا التي يراها مشروعة, قابلت كلماته تصفيق من النصارى خلفنا ,ثم أقيمت الصلاة وفور انتهاءها مباشرة حانت اللحظة المنتظرة ,و تعالت صيحات الغضب وكانت أولها "الشعب يريد تغير النظام" ظللنا قرابة الخمس دقائق نتجمع ونهتف وقد امتلئ المكان بالآلاف من المصرين المحبين لوطنهم والرافضين للظلم
بعدها اتحدنا مع مجموعات أخرى وسرنا في شارع البطل احمد عبد العزيز والصيحات لا تتوقف ,كنا ننظر يمينا ويسارا للمباني السكنية جوارنا نطلب من أصحابها النزول إلى الشارع معنا والمشاركة , وما لاحظته أن معظمهم من جنسيات أخرى غير مصرية,في منتصف الشارع كان هناك أثرا لغاز كريه الرائحة كنت أشمه لأول مره لم ادر ما مصدرة,ولكني توقعت أن يكون الأمن وراء الأمر , ثم انضم إلينا ألاف قادمون من جهة مقابله بعد أن أدوا صلاه الجمعة في جامع السلام , لم تتوقف صيحاتنا لحظة وواصلنا السير وكلنا فخر بما نفعله لا نصدق أن هذه الأعداد المهولة قد خرجت .
مع مرور الوقت كنا نقترب أكثر نحو هدفنا , في نهاية الشارع كان يقطعه شارع التحرير اتجهنا يسارا وسرنا خلاله , كانت صيحاتنا تتعالى تهز الأرض تحت أقدامنا , والأمن المركزي يهرول إلى جوارنا محاوله تخطينا والانضمام إلى الفرقة الأخرى التي كانت في انتظارنا .
بعد أن انتهينا من شارع التحرير كانت العقبة الأولى وبداية رده الفعل القذرة من الأمن الذي وقف بأربع عربات كحاجز على كوبري الجلاء لمنعنا من العبور ,لم يبدر منا اى عنف ولم نقم باى شغب فقد كنا نسير مسالمين نحو هدفنا والكل يصيح : سلمية سلمية ,فاجئنا الأمن بإطلاق القنابل المسيلة للدموع ,وللوهلة الأولى نجحت في تفريقنا لم يكن احد منا يعتد عليها ,كان الأمن يطلقها بكثافة والناس يسقطون في إغماء متتالي , اندفعت سيارة مصفحة نحونا وخرج من سقفها جندي يحمل بندقية لضربنا بالرصاصات المطاطية,تصدى لها مجموعة من الشباب حاولوا الصعود للنيل منه , وضربه شاب من الأسفل بحجر في وجهه تصدت له خوذه الجندي ,ثم حاول استعادة توازنه فوجد الأخرى , فتراجعت السيارة فى استسلام عائدة إلى الوراء ونحن نتقدم , توالت علينا القنابل المسيلة للدموع سقطت إحداها الى جواري أمسكت بها مسرعا ملقيا بها بعيدا عن الجموع , عزمت على أن أكون في الصفوف الأمامية محاولين اختراق هذا الحاجز لنفتح للناس منفذا بين الجنود,كان هناك حاله من الكر والفر متكررة وقد أعيت القنابل المسيلة للدموع العديد منا , وحاصرتنا فأصابنا غازها الخانق وشعرت باختناق قاتل بعدها فتنحيت جانبا حتى استعيد قواي ويزول مفعولها,بعدها وجدنا مجموعة منا وقد نجحت فى اقتحام هذا الحاجز وتراجع جنود الأمن إلى نهاية الكوبري ونحن ندفعهم إلى التراجع , استمر الأمر كثيرا وكنا نتقدم يبطئ وهم يتراجعون أمامنا في حذر , كنا سعداء للغاية فلم يعد يفصلنا عن الميدان سوى كوبري قصر النيل, وبالفعل وصلنا إليه وتبادلنا الكر والفر مع الجنود إلى ان جئنا إلى أخر نقطة فوق الكوبري , وحان موعد صلاه العصر , فوقفنا صفوفا نصلى والأمن يشاهدنا , فور انتهاءنا من الصلاة مباشرة غدر بنا جنود الأمن واندفعوا بعرباتهم وقاموا برش المياه على الجميع ولم نتراجع, واندفعوا بعصيهم وبنادقهم يطلقون الرصاص المطاطي علينا فارتبكنا وتراجعنا تراجعا مخيبا لأمالنا في الوصول إلى الميدان,الهزيمة باتت قريبه وسنعود أدراجنا بكل تأكيد ,فالمجموعة الأمامية خارت قوتها أمام وسائل الأمن وخصوصا أن أيدينا كانت فارغة من اى سلاح وهم يملكون كل الأسلحة , ولم يكن هناك تبادل بينها وبين مجموعات في الخلف فقد ولى الناس خلفنا امر الاقتحام الى أعداد قليلة منا , لم تصمد مع الضربات المتتالية من الأمن , لم نستسلم بسهوله وعدنا من جديد لنهجم عليهم ليتراجعوا إلى الوراء كثيرا قبل أن يندفعوا مجددا ليشتتوا شملنا تماما فتراجعنا بعد أن تأكد لنا عدم مقدرتنا على الصمود أمام الوحشية التى يعاملونا بها خاصة والامر قد استغرق قرابة الأربع ساعات ما بين مسيرة واقتحام , تجمعنا مجددا وسرنا نحو منطقة الزمالك ,قابلنا السفارة التونسية واخذ البعض منا يقبل علم تونس , سرنا نهتف في الشوارع قرابة الربع ساعة إلى أن صعدنا على كوبري 6 أكتوبر وجدنا أيضا فرقة من الأمن المركزي تقطع الكوبري وتمنع مجموعة أخرى قد حاولت بالفعل العبور , وتستخدم نفس الوسائل الوحشية مثل مثيلتها , أصبح الأمر شبه مستحيل , فبين القنابل المسيلة للدموع وبين الرصاصات المطاطية وعصى الأمن المركزي وايدينا الخالية من اى سلاح أصبح الأمر محسوما لهم, استغرق الأمر قرابة الأربع ساعات ما بين الكر والفر بيننا وبينهم , وأثناء عودتي الى المنطقة التى أعيش بها وجدت حشود الأهالي تتجمهر ضد فرق أخرى من الأمن المركزي فسعدت بها كثيرا, وسمعت ان الجيش قد نزل إلى الشارع وانه قد تم إعلان حذر التجوال فعلمت أنها ثورة شعبية و أن الأمر قد شمل كل محافظات مصر ,وان مصر بالفعل قد دخلت مرحلة جديدة تخطت كل الحدود ونجح شباب مصر الأبي أن يكسر قيود الخوف والرهبة التي تعمدوا أن يربوها فينا منذ أن كنا صغارا, وعلمت أن يومنا هذا كان تاريخيا , سوف يسطر التاريخ بطولة شعب مصر بكل فخر وإجلال.
No comments:
Post a Comment